الغزالي

191

إحياء علوم الدين

رضي الله عنه في الغار إذ سد منافذ الحيات ، إلا أن يقال فعل ذلك برجله ولم يتغير بسببه سره ، أو يقال إنما فعل ذلك شفقة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في حق نفسه ، وإنما يزول التوكل بتحرك سره وتغيره لأمر يرجع إلى نفسه . وللنظر في هذا مجال ولكن سيأتي بيان أن أمثال ذلك وأكثر منه لا يناقض التوكل ، فإن حركة السر من الحيّات هو الخوف ، وحق المتوكل أن يخاف مسلط الحيّات ، إذ لا حول للحيّات ولا قوّة لها إلا باللَّه . فإن احترز لم يكن اتكاله على تدبيره وحوله وقوّته في الاحتراز ، بل على خالق الحول والقوة والتدبير . وسئل ذو النون المصري عن التوكل فقال : خلع الأرباب ، وقطع الأسباب . فخلع الأرباب إشارة إلى علم التوحيد ، وقطع الأسباب إشارة إلى الأعمال ، وليس فيه تعرض صريح للحال وإن كان اللفظ يتضمنه . فقيل له زدنا . فقال . إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية . وهذا إشارة إلى التبري من الحول والقوة فقط . وسئل حمدون القصار عن التوكل فقال : إن كان لك عشرة آلاف درهم ، وعليك دانق دين لم تأمن أن تموت ويبقى دينك في عنقك . ولو كان عليك عشرة آلاف درهم دين من غير أن تترك لها وفاء ، لا تيأس من الله تعالى أن يقضيها عنك . وهذا إشارة إلى مجرد الإيمان بسعة القدرة ، وأن في المقدورات أسبابا خفية سوى هذه الأسباب الظاهرة وسئل أبو عبد الله القرشي عن التوكل فقال : التعلق باللَّه تعالى في كل حال . فقال السائل زدني . فقال . ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك فالأوّل عام للمقامات الثلاث ، والثاني إشارة إلى المقام الثالث خاصة ، وهو مثل توكل إبراهيم صلى الله عليه وسلم إذ قال له جبريل عليه السلام : ألك حاجة ؟ فقال أمّا إليك فلا إذ كان سؤاله سببا يفضي إلى سبب ، وهو حفظ جبريل له . فترك ذلك ثقة بأن الله تعالى إن أراد سخر جبريل لذلك . فيكون هو المتولي لذلك . وهذا حال مبهوت غائب عن نفسه باللَّه تعالى فلم ير معه غيره . وهو حال عزيز في نفسه ، ودوامه إن وجد أبعد منه وأعزّ وقال أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب . ولعله يشير إلى المقام الثاني . فسكونه بلا اضطراب إشارة إلى سكون القلب إلى الوكيل وثقته به ، واضطراب بلا سكون إشارة إلى فزعه إليه . وابتهاله وتضرعه بين يديه كاضطراب